المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان

102

مجموع رسائل الإمام المنصور بالله

وقوله تعالى : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً [ الفرقان : 2 ] « 1 » يريد من فعله لأنه تعالى لا يفعل إلا الحكمة ، وسواء كانت مشتهاة أو منفورا عنها . فأما قوله تعالى : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] فذلك في قصة أهل بدر ، ولما كان الغالب على أمر قريش القوة والاستظهار ، وكان أصحابه صلى الله عليه وآله وسلم في نهاية من الضعف ، كما قال تعالى : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [ آل عمران : 123 ] أضاف القتل إليه لتأييده تعالى لهم بالملائكة عليهم السلام ، والفعل مضاف إليه تفخيما للحال ، وتعظيما للأمر ، كما يقال : السلطان قتل بني فلان وإن كان جنده قاتليهم ؛ فلما وقع قتل المشركين بتأييد الملائكة وقذف الرعب في قلوبهم أضاف الأمر إلى اللّه تعالى ، وكذلك في قوله : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] فلأن الرمي وقع على وجه لا يدخل تحت مقدور العباد ، لأنه رمى بكف من حصى وتراب فما بقي رجل إلا دخل من ذلك في عينه شيء فكان المتولي لذلك . وأما حركة كف رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فقد كانت منه ، ولهذا قال تعالى : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ [ الأنفال : 17 ] فأضاف الرمي إليه الذي دخل تحت مقدوره ونفى عنه ما عدا ذلك ، فتأمل ذلك تفهم معناه ، موفقا إن شاء اللّه تعالى . قال : وأما ما يذكرون من نسبتها إليهم بآيات من القرآن الكريم قال : فذلك على سبيل المجاز . اعلم : أن الجواب عن هذا أن الحاجة ماسة للسائل على معرفة الحقيقة والمجاز حتى لا يتعدى في المجاز فيجعله حقيقة ولا يطغى في الحقيقة فيجعلها مجازا ، فالجهل بذلك سبب لضلالة كثير من الناس .

--> ( 1 ) في الأصل : كل شيء قدرناه تقديرا .